عندما يرتفع صوت ما في بلدنا – أو في أي بلد متخلف آخر- مطالباً "بشن حملة شعواء ضد الأمية" فإنه عادة يصدر دون دراية أو معرفة . هذه معادلة تبدو مريبة من الخارج ، ولكن متابعتها عن كثب تثبت فوراً أنها صحيحة إلى حد كاف. فالافتراض السائد بأن الأمية هي "عدم المعرفة نتيجة العجز عن القراءة" افتراض لا يتورط في قبوله سوى رجل شبه أمي. أو على الأقل شبه أمي دون أن يدري. لأن "عدم المعرفة" من جهة كلمة أسطورية لا تعني شيئاً على الإطلاق، ولأن "القراءة" من جهة أخرى لا علاقة لها بالمعرفة.
وأنت عندما تقول إن جارك مواطن "أمي" لا تعني في الواقع أن دماغه لا يختزن أية معارف من أي نوع، وأن سلوكه الخاص يصدر من لا مكان. بل تعني بالتأكيد أن معارفه قديمة وغير صحيحة ومضحكة أيضاً بالنسبة لمعارف العصر، لأنه استقاها بالسماع، وأنت تعتقد أن ذلك يضعه تحت خانة "الأميين" ولكنك تنسى أن جارك لم يكن في وسعه أن "يسمع" معارفه المضحكة لولا أن أحداً ما قد قرأها أمامه، وأن ذلك "القارئ" أيضاً يختزن المعرفة نفسها.
فالمشكلة لا تخص "القدرة على القراء أو عدم القدرة"، بل تخص "نوع المعرفة المطلوبة" ونحن نرتكب خطأ لا يمكن غفرانه عندما نفرق بين الأمية وبين القدرة على القراءة باعتبار الشكل الخارجي وحده. فالواقع أن الفرق طفيف للغاية داخل ذلك النطاق. والمرء لا يستطيع أن ينفذ من فخ الأمية بمجرد أن يمتلك وسيلة المعرفة التي تدعى عندنا بالقراءة. إنه يصبح فقط "أمياً مقنَّعاً". وإذ ذاك يصير مريضاً اجتماعياً أشد خطورة من سواه، لإن إلمامه بالقراءة يجعله يتصور أنه خرج من منطقة الخطر ودخل في عداد العارفين، ثم يجعله يتصور أنه بات يملك الحق في "النقاش وإيجاد الحلول" أيضاً.. وعندما يبدأ في ارتكاب هذا الخطأ يضع نفسه ومجتمعه وجميع أجياله القادة تحت رحمة الجهل المقنع والمقام على قاعدة النرجسية وحدها، ويصير اسم المشكلة "الأمية العلمية" بدل الأمية فقط.
وأنا أقول هنا إن ذلك بالضبط هو مرض مجتمعنا في ليبيا.
فمشكلتنا في الواقع لا تخص عدد العاجزين عن القراءة والكتابة بقدر ما تخص "نوع" المعارف التي نتناقلها سواء بالقراءة أو بالسماع عبر جميع مصادرنا الفكرية في بلدنا الصغير. تلك الحزمة القديمة من الأخطاء والثقافات القديمة المفجعة القبح، والأوهام الموروثة من أكثر عصور العالم إيغالاً في الموت التي تنشب أصابعها في أعناقنا بشراسة تدعو إلى الدهشة.
ويكفي أن أقول لكم هنا إن "العلماء الليبيين" -وهم بالطبع أكبر مصادر المعرفة عندنا – مايزالون حتى الآن يعتنقون فكرة القرون الوسطى عن الإنسان الذي خلقه الله بمثابة دمية طينية ثم نفخ فيه الروح وأنزله من السماء مقابل تفاحة، لكي تتضح معالم الكارثة الفكرية التي يعيشها المواطن الليبي عبر "معارفه" سواء كان يعرف القراءة أو لايعرفها.
"فالأمية العلمية" التي تأخذ بخناق مجتمعنا في ليبيا ليست ذات علاقة حقيقية بنسبة "العاجزين عن القراءة" ولكن ذات علاقة مباشرة –ووطيدة للغاية- بنسبة "العلم المغلوط" في معارفنا الكلية.
وإن كان ثمة من يعتقد أن نشر التعليم يستطيع أن يحل المشكلة المعقدة –بغض النظر عن نوع الفكر- فإنها بكلمة واحدة مغالطة علمية.
إن المشكلة لا يمكن حلها إلا من الداخل.
وذلك يبدأ أولاً بأن نرفض البديهة المضحكة القائلة بأن "الأمية هي العجز عن القراءة" لأن ذلك يفتح الباب أمام قطيع غير محدود من "الأميين القارئين" لكي ينصبوا أنفسهم قادة مجانين لمسيرتنا الفكرية، ولأنه أيضاً تشخيص خاطىء للمرض الذي نعاني منه في بلدنا بالذات، وفي جميع البلدان المتخلفة بوجه عام.
إن العجز عن القراءة نوع واحد من أنواع الأمية فقط.
وهو أيضاً الشكل الخارجي لها الذي يستطيع المرء أن يلمسه بأصابعه، ولكن ذلك لا يعني بأي حال أن "الأمية" تبدو دائماً في هذا الشكل الواضح بالذات. إنها تصبح أكثر وضوحاً وأكثر خطورة ومدعاة للخسارة عندما تختفي وراء قناع القدرة على القراءة، ويصير بوسع "الأمي" أن يقرأ لك أفكاره المشوهة من فوق منصة الخطابة، ويخدعك عن سمها القاتل بالبديهيات التي تبدو من الخارج منطقية ومغرية.
الأمية هي العجز الفكري عن إيجاد الحق بالنسبة لمركز الإنسان في الكون.
هذا هو التعريف الوحيد الذي يستطيع المرء أن يتقبله بالنسبة لتفسير الظاهرة بأسرها. وإذا قرأ لي أحد ما في كتابه أن الرب خلق آدم مثل دمية طيبنية وأطلقه لكي يركض فوق الأرض تحت حراسة شبه دائمة من مخلوق ناري اسمه الشيطان، فأنا أدعوه بكلمة واحدة "رجل أمي" لأن الحق –أو العلم الحقيقي- يستطيع أن يثبت بوضوح غير قابل للشك أن خلق الإنسان لم يتم على هذا النحو، ولأن صناعة الدمى الطينية ليس في الواقع الصورة الحقيقة التي تليق بفكرة الإنسان عن قدرة خالقه. فإذا قرر ذلك "الأمي القارىء"، أن يفرض فكرته بطريق أو بآخر، فإن وسيلته الوحيدة أن يلبس ثوب "العالم" ويقطع لساني بتهمة الجهل دون ثمة دليل من أي نوع سوى أنه يفهم ويفسر ما جاء في كتاب الله.
هذه هي الحلقة المفرغة في مشكلة "الأمية العلمية".
رجل "أمي" يلقب نفسه باسم العالم لمجرد أنه تعلم القراءة المتحذلقة، ويستطيع أن يقف وحده ضد جميع العلماء والأدلة العلمية المقاطعة لكي يفرض فكرته دون ثمة دليل من جانبه سوى "أوهامه النرجسية"، وينفي كل شيء آخر في علبة القمامة، ثم يجعلك بعد ذلك تقبل يده أيضاً.
وأنا هنا لا أختار هذا المثال بالذات إلا لأنه أكثر وضوحاً من سواه "فالعلم باسم الله" ما يزال في بلدنا أكبر مظاهر الأمية المقنعة على الإطلاق ولكنه بالتأكيد ليس وحده فارس الميدان. "فالعلم باسم مصلحة الشعب"، والعلم باسم "التقاليد الحميدة الأصيلة" يلعبان أيضاً دورهما المثير في أمية الشعب الليبي التي نصرخ منها على كل الجبهات إن مشكلتنا لم تكن قط "عدد القادرين على القراءة" ولكنها كانت دائماً نوع الثقافة المقروءة وحدها.
الثقافة الدينية والسياسية والاجتماعية.
الثقافة المثقلة بالمغالطات القديمة وازدراء وسائل العلم الحديث وعدم وضوح الرؤية والتسليم بالبديهيات غير الحقيقة والاعتماد على الإثارة العاطفية الخالية من العمق. ونشر التعليم لا يستطيع أن يغير وجه هذا الطوفان من الأخطاء، بل إنه في الواقع سوف يزيدها ثباتاً وشمولاً إلا إذا بدأ بإيجاد "المنهج" المطلوب لإبعاد الفكر نفسه.. أي يبدأ بإيجاد "الحق".
وأنا استعمل كلمة الحق هنا بالنسبة لاتجاهين مرتبطين معاً ..
الاتجاه الأول: علاقة الإنسان بخالقه، تلك العلاقة التي لا يمكن قط أن تقوم على أساس حقيقي من المعرفة مادامت تبدأ بفكرة غير علمية –وغير دينية بالتالي- مؤداها أن الإنسان دمية طينية. إن هذه الإنطلاقة لا يسندها شيء في الواقع سوى التفسيرات المعوجة للقرآن والإنجيل على حد سواء ولكنها ذات تأثير مفجع في شكل مجتمعنا الإنساني بأسره. وإذا أتيحت لإنساننا المعاصر فكرة أكثر اكتمالاً عن طبيعة القانون العظيم الذي أحضره إلى هذا العالم، فإنه بالتأكيد سوف يكون أكثر قرباً من الله وأكثر إدراكاً للشكل المتناهي الإثارة الكامن وراء دمية الطين. سواء كان يعرف القراءة أو لا يعرفها.
الاتجاه الثاني: علاقة الإنسان بالإنسان. فالطبقية التي نعيشها الآن في تفكيرنا الاجتماعي والسياسي مجرد انعكاس مؤقت لفكرتنا الخاطئة عن العالم نفسه. فالكون –بالنسبة لنا- مسرح هائل لأسوأ أنواع الطبقية يقف الله فوق قمته وتحته طبقة الملائكة ثم طبقة الأنبياء وتحت طبقة الأنبياء طبقة أخرى إلى آخر القائمة الرأسية التي يبدو أن أول أخطائها الوثنية أنها تضع "الله في نقطة محددة" وهو خطأ نعتقد جميعاً أننا نتجنبه – ببساطة – لمجرد أننا نعتنق الإسلام.
من هذين الاتجاهين يبدأ كل شيء في المجتمع الإنساني.
من هذين الاتجاهين تبدأ الأديان والأخلاق والأفكار السياسية أيضاً. وما داما معاً ينطلقان من نقطة خاطئة تحت حراسة مشددة من "الأمية العلمية" فإننا في الواقع لا نملك فرصة واحدة لإصلاح الاعوجاج الواضح في مسيرتنا الفكرية.. إن ذلك يحتاج إلى عنصر الزمن.
وهذا ما يحتاج المرء أن يعرفه جيداً قبل أن يتورط في الصراخ مطالباً "بمحو الأمية" لأن هذه الصرخة من جهة لا تعني شيئاً في الواقع سوى تعليم الناس القراءة لكي يقرأوا الأخطاء بأنفسهم بدل أن يكتفوا بسماعها، ولأن الجهل لا يستطيع المرء أن يمحوه بإيجاد "قرائه".
إننا نفتقر إلى صوت يطالب بتغيير مناهجنا الفكرية.
صوت لا تخدعه "الأمية المقنعة" التي تستطيع أن تنتصب فوق المنصة وتدلق على العالم خطبة فصيحة. وتستطيع أيضاً أن تطبع له جريدة مزينة بالآيات القرآنية والحكم القديمة لكي تقنعه بأنه صنم طيني مصنوع خاصة لكي يأكل تفاح الجنة. إن تعميم القدرة على القراءة عمل حسن ولكنه ليس دائماً عملاً مفيداً. إن كان ثمة من يخامره الشك في هذه الحقيقة المفاجئة، فإنه يستطيع أن ينال أكثر من مثال مقنع داخل البلدان التي رفعت نسبة المتعلمين فيها إلى الحد النهائي. إن أكبر المستفيدين من هذه الظاهرة هم باعة المجلات الجنسية.
ولكن المرء لا يجوز أن يفسر هذا القول بأنني أدعو إلى إبقاء الشعب الليبي محروماً من نعمة القراءة. لأن ذلك في الواقع تفسير مقلوب. إن ما أريد قوله هنا بوضوح كاف أن تعليم القراءة عمل حسن ولكنه - بالتأكيد – لا يقود قط إلى محو الأمية إلا إذا ظللنا على اعتقادنا الخاطيء بأن الأمية "هي العجز عن القراءة".
أما إذا كنا نملك من الشجاعة ما يكفي لرفض هذه البديهة غير المعقولة، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح أننا لن نحتاج إلى المدارس وحدها لمحو أمية شعبنا، بل إننا أيضاً نحتاج أكثر مرتين إلى مناهج علمية لمحو أميتنا المقنعة قبل أي شيء آخر.
فنشر المعرفة – إن لم تكن معرفة حقيقية – مجرد خدمة تؤدى لصالح الجهل وحده.
ونحن في بلدنا الصغير المتواضع الامكانيات نملك الآن أكثر ما يكفي من الأصوات المتحمسة التي تنسى هذه الحقسقة البسيطة في غمرة حماسها البدائي، وتنسى أيضاً أنها بدورها تحتاج إلى محو أميتها.
إن القراءة مجرد وسيلة لنشر "المعرفة".
وإن كان من المرغوب فيه أن يمتلك المرء هذه الوسيلة تحت تصرفه، فإنه من المرغوب فيه أكثر ألا يضعه ذلك تحت رحمة "الأمية العلمية" لكي تصب في دماغه جميع معارفها المدهشة.
والأصوات التي تطالب بشن حملة شعواء ضد الأمية مطالبة بدورها أن تؤدي نصيبها في الحملة الحقيقية الأخرى ضد "الأمية الدينية والأمية السياسية أيضاً". فالمشكلة ليست مجرد مسرح للصراخ من أجل المدارس وحدها كأن كل شيء أخر في بلدنا معد على ما يرام.
إن الإصلاح الديني في الدرجة الأولى هو المشكلة الفكرية الرئيسية في بلدنا. والمرء لا يستطيع أن يتصور الأصوات المتحمسة – التي تصرخ فوق جميع صحفنا المحلية مطالبة ببناء المدارس – تجهل هذه الحقيقة المسطحة، ولكن المرء لا يسمع صوتاً واحداً يشير إلى أن "الحقائق المسطحة" تستحق قليلاً من الحماس.
إن أحداً لا يرفع صوته مطالباً بإصلاح الفكر الديني في الوقت الذي يزعم فيه خطيب الجامع أن الإنسان صنم من طين. بل إن معظم "الصارخين" في بلدنا مستعدون لقتلك بمخالبهم إذا سمعوا أنك لا تصدق خطيب الجامع. وبعد ذلك – أعني أيضاً في الوقت نفسه – يطالبون بمزيد من المدارس لنشر "العلم".
هذه خرافة الحماس البلهاء.
خرافة "الأمية العلمية" التي تخنق مسيرتنا في بلدنا بالذات، وفي معظم البلدان المتخلفة أيضاً مثلنا. قطيع من الذئاب الصارخة التي لا تحسن شيئاً في العالم سوى أن تصرخ من أجل كارثة تخطر ببالها. من أجل محو إسرائيل من أجل محو الأمية من أجل الجنة من أجل القرآن من أجل أي شيء مقابل لا شيء، وعندما تتعب من الصراخ تصرخ أيضاً لإبداء التعب.
وفي ذيل القائمة تبقى الحقيقة القبيحة المثيرة للعار والألم . إن صوتاً واحداً يرتفع بشجاعة لفضح مغالطات "الأمية المقنعة" في ميدان السياسة والدين والأخلاق يستطيع أن يخدم بلدنا بصورة أفضل مما تفعل ألف مدرسة يعمرها ألف "أمي قاريء".
ومع ذلك فالصوت الشجاع لا يرتفع قط، بل يظل ينتظرك لكي يأكل جثتك على مأدبة العشاء عندما يذبحك فقي الحارة العالم باسم الله. ثم يلعق مخالبه ويدخل في الجولة التالية في المطالبة بمحو الأمية.
هكذا الحلقة مفرغة في عالم الكتاب الأميين أكلة الحشيش والجثث.
الصادق النيهوم
10 فبراير 1971
من كتاب "فرسان بلا معركة"